حسن الأمين

144

مستدركات أعيان الشيعة

« شاه عبد العظيم » ( الري « . ولم تكن حركته هذه ارتدادا عن المطالبة بالنظام الدستوري النيابي ، بل خطة تصحيح لهذه الحركة وصيانة لها من الانحراف بها إلى ما يخالف غايتها النبيلة . ولم يكن هو وحده من رأى هذا الرأي بل تابعه عليه آخرون من كبار المجتهدين المؤيدين للنظام النيابي العاملين على تحقيقه ، منهم « السيد ريحان الله البروجردي » و « السيد علي آقا اليزدي » من علماء طهران . وتابعه أيضا عالم شهير آخر عرف بالشجاعة والاقدام ، اسمه « مير هاشم شترباني » من علماء آذربيجان ، وكان من السابقين إلى المطالبة بالنظام النيابي والعمل على إقامته وأصبح نائبا عن تبريز . ولكن هؤلاء الثلاثة وغيرهم من كبار العلماء لم يلبثوا أن تبينوا ما خالط هذه الحركة من انحرافات منكرة فاتخذوا سبيل الشيخ النوري لوقايتها وصيانتها . بل إن مراجع التقليد الثلاثة في النجف ، وقد كان لهم السهم الأوفى في إقامة النظام الدستوري النيابي في إيران ، وهم « الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني » و « الملا عبد الله المازندراني » و « الميرزا حسين الطهراني » ، عادوا فاستدركوا تأييدهم لهذا النظام بالتنبيه إلى ما نبه إليه « الشيخ فضل الله النوري » واستنكار ما استنكره ، وأبدوا تخوفهم من مستقبل النظام النيابي في إيران . ويظهر هذا الأمر جليا من بيان أرسلوه من النجف إلى إيران ، وهذا نصه : « إذ أن بعض فرق المملكة الفاسدة اغتنمت الفرصة فأظهرت مقاصدها الفاسدة في لباس دستوري نيابي بدعوى أنها من طلاب النظام الدستوري النيابي ، فنحن نعلن ، توضيحا للواضح ، أن حقيقة النظام الدستوري النيابي هي عدم تجاوز الحكومة والشعب للقوانين المنطبقة على الأحكام العامة والخاصة المستفادة من الكتاب والأحكام الإلهية ، وتقييد الإرادة الفردية ، والمنع من المنكرات التي بينها الإسلام ، وصيانة حوزة المسلمين ، وإنفاق الضرائب في سبيل مصالح المسلمين » . وجاء في هذا البيان أيضا تأكيد بان « نواب الأمة يجب أن يكونوا ممن عرفتهم الأمة ، بالاختبار الطويل ، بالأمانة والديانة والوثاقة والدراية » . وفي الرسالة التي أصدرها « الشيخ فضل الله النوري » في هذا الموضوع نبه صراحة إلى ما نبه إليه بيان المراجع الثلاثة من مداخلات أهل البدع الدينية وتحريكات السياسة الأجنبية في شؤون حركة المطالبة بالنظام الدستوري النيابي . ويتصل بهذا الموضوع أن « السيد محمد الطباطبائي » نفسه لما بلغه ، وهو مهاجر في قم ، نبا تحصن التجار في السفارة الإنكليزية بأمر من السيد عبد الله البهبهاني ، استنكر هذا التحصن ولم يكن راضيا به . اعتزل « الشيخ فضل الله نوري » وأنصاره في « شاه عبد العظيم » وأخذ يوزع نشرته ويلقي خطبه ليدفع عن الحركة الدستورية النيابية دسائس عملاء الأجانب والمخربين من أهل البدع والحركات السرية المشبوهة ويوضح ؟ . . . ومقاصده ما طمسه هؤلاء الخصوم . وهذا نص أحد البيانات التي صدرت في نشرته منقولا عن كتاب « تاريخ مشروطة » تأليف « أحمد كسروي » ( 1 ) ، وهو من أشد خصوم الشيخ « فضل الله نوري » عداوة له : باسمه تعالى شانه « ليكن معلوما ظاهرا عند عموم أهل الإسلام أن لا أحد اليوم يرفض المجلس النيابي ، لا من المجتهدين ولا من غيرهم من سائر الطبقات . وما يقوله ويكتبه وينشره أرباب الحسد وأصحاب الغرض من أن جناب حجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ فضل الله سلمه الله تعالى يرفض المجلس النيابي هو كذب . كذب . وقد كرر الجهر والإعلان بمراده من على المنبر في أيام إقامته هذه في الزاوية المقدسة ، وأخرج القرآن وأقسم بالأيمان الغلاظ الشداد . وقال : « أيها الناس لست أرفض المجلس النيابي بوجه من الوجوه . بل أرى أن سعيي في تأسيس هذا الأساس قد فاق سعي الجميع . فقد كان علماؤنا الكبار الذين يجاورون العتبات العاليات والمقيمون في ممالك أخرى بمعزل عنا . ثم انضموا إلينا كلهم بما أقمته لهم من الدلائل والبراهين . ويمكنكم التحقق من هذا الأمر بسؤال أولئك السادة العظام أنفسهم . والآن لا أزال ذلك الرجل الذي كنته قبلا . لم أغير ولم أبدل . « أقولها صريحا : ألا فاسمعوا وليبلغ الحاضر الغائب ، أن المجلس النيابي الذي أريده هو المجلس الذي يريده عموم المسلمين . والمسلمون يريدون مجلسا أساسه الإسلام ، لا يخالف القرآن ولا الشريعة المحمدية » . وهذا مقطع من أحد بياناته في تلك النشرة منقولا أيضا عن كتاب عدوه اللدود « أحمد كسروي » : « لا رضي الله تعالى عن امرئ أراد بالمجلس النيابي شيئا غير التصحيح والتكميل والتنقيح . ولينزل السخط والغضب الإلهي بكل من أذاع مرادي على غير واقعه ، فدلس على المسلمين وضللهم ، وسد علينا من كل الجهات الطريق إلى رفع الشبهة ، ليحول دون إيصال كلامنا إلى أسماع المسلمين ، وليحمل الناس على التصديق باني وسائر المهاجرين قد رفضنا أصل المجلس النيابي » . والذي رمى الشيخ « فضل الله نوري » بالرجعية والارتداد عن تأييد الحياة النيابية الدستورية إنما هو المستشرق الانكليزي « إدوار براون » ( 2 ) مؤلف كتاب « ثورة إيران » . وقد ظل الشيخ « فضل الله نوري » في خطبه وتصريحاته وبياناته التي كان ينشرها في جريدته ، دائبا على الجهر بتأييده للحياة النيابية الدستورية والافتخار والتذكير بأنه كان من أوائل المنادين بها العاملين على إقامتها . وقد ذكر « أحمد كسروي » في كتابه نصوص تلك الخطب والتصريحات والبيانات . وأما قضية تزوير الرسائل على ألسنة أعضاء اللجان الشعبية والبابيين

--> ( 1 ) من مشاهير الشخصيات الفكرية والسياسية في إيران ومن مؤرخي تلك الحقبة ، كان شديد التعصب لقوميته ، حربا على الإسلام ورجال الدين المسلمين ولا سيما الشيخ « فضل الله نوري » . وكان ( كسروي ) قبل ردته يوقع ما يكتبه باسم ( سيد أحمد تبريزي ) . وقد نشر بهذا التوقيع عدة مقالات باللغة العربية في مجلة ( العرفان ) وهي مجلة إسلامية كانت تصدر في صيدا ( لبنان ) . ثم انقلب من ( تبريزي ) إلى ( كسروي ) ومن سيد مسلم إلى ملحد هدام . وكانت ردته هذه من عوامل دفع نواب صفوي إلى تكوين حركة ( فدائيان إسلام ) التي عزم مؤسسها ( نواب صفوي ) على اغتياله ، ثم نفذ هذا العزم . ( 2 ) أنشا « إدوار براون » هذا في لندن « جمعية أصدقاء إيران » وكان رئيسا لها . وكان لهذه الجمعية نشاط سياسي واسع في تحقيق مارب إنكلترا الاستعمارية في إيران .